مقالات الرأي

العيد والفيروس والأمين

بقلم: أمينة خيري

منظمة الصحة العالمية تقول إنها رصدت زيادة فى أعداد الإصابة بـ«كوفيد-19» عقب رمضان وعيد الفطر المبارك، وأن هذه الزيادة ترتبط بالزيارات العائلية وأداء الصلاة بشكل جماعى والتجمعات فى بلدان شرق المتوسط والتى تقع مصر فيها. ورأت المنظمة أنه ينبغى النظر بجدية فى إلغاء التجمعات ذات الطابع الاجتماعى والدينى. ومضت المنظمة قدماً فى نصائحها وهى تنتقى الكلمات بعناية شديدة لأسباب مفهومة، حيث «اللابدين فى الذرة» كثيرون، والمتصيدون للتوجيهات عديدون، و«المهسهسين» الذين ضربتهم وساوس قهرية تهيئ لهم أن الكوكب يتآمر ضد الدين ويخطط للقضاء على المتدينين بالملايين. فنصحت المنظمة لأن أى قرار يقيد تنظيم التجمعات الحاشدة أو تعديلها أو إلغاءها أو الإبقاء عليها يجب أن يستند إلى عملية تقييم مخاطر، مع مراعاة الاتجاهات الوبائية والقدرات والموارد المتاحة.

ومن شأن مثل هذه الكلمات أن تمر مرور الكرام على كثيرين. فهناك من ينظر إلى أرقام الإصابات الرسمية المعلنة التى تشير إلى انخفاض كبير فى أعداد الإصابات الجديدة المسجلة ويعتبرها إعلان نهاية الوباء. وهناك من اعتبر الوباء منهياً بصدور قرارات العودة إلى الحياة الطبيعية «الجديدة»، وكأن قرار مجلس الوزراء يفيد موت الفيروس وانتهاءه نهاية لا رجعة فيها، وهذا ليس حقيقياً. فهوية الفيروس ومعالمه الكاملة وملامحه الكلية ما زالت غير معروفة. وفى كل يوم يفاجئنا بتطور جديد أو نمط مغاير أو مسار لم يكن فى الحسبان. وليس هناك أخطر أو أدق من محاربة عدو لا تعرف عنه معلومات كافية. هذا النوع من المواجهة يستلزم قدراً مضاعفاً من الحكمة الحنكة والصبر والعلم والبحث. بالطبع الدعاء والتضرع إلى الله ليدعمنا فى حربنا ويلهمنا البصيرة والعلم لمواجهة الفيروس مطلوبان، لكنهما وحدهما لا يفيدان كثيراً سوى فى شعورنا بالطمأنينة إلى حد ما. كما أن المهووسين وأدعياء الدين والبهاليل الذين يتصرفون وكأن الفيروس والعدم سواء لأنهم على قناعة بأنهم سيستيقظون ذات صباح وقد انتهى الفيروس فى بلاد المؤمنين هكذا من نفسه هم أقرب ما يكونون إلى القتلة، لأنهم بتواكلهم هذا يتسببون فى نقل العدوى وإصابة غيرهم.

من جهة أخرى، فإن تحذيرات منظمة الصحة العالمية نصت على أن تكون «عملية تقييم المخاطر» و«مراعاة الاتجاهات الوبائية» و«القدرات والموارد المتاحة» لكل دولة نصب أعين الجميع قبل اتخاذ قرارات تتعلق بالتجمعات الحاشدة فى مناسبة العيد. بمعنى آخر، إذا كانت دولة ما غير قادرة مثلاً على استيعاب مليون مصاب بـ«كوفيد-19» بسبب تجمعات حاشدة اعتمدت على عنصر البركة فقط، فعلى هذه الدولة أن تصدر قراراتها فى ضوء قدراتها. وقد بينت لنا الأشهر القليلة الماضية من عمر الوباء العالمى أن أعتى وأقوى وأغنى وأكثر دول العالم تقدماً تعثرت وتكعبلت فى التعامل مع الفيروس المستجد! وفى خضم كل هذا تجد «نحانيح الكوكب» يبكون ويندبون لأنهم حُرِموا من صلاة العيد فى المساجد، وكأنهم وحدهم من حرموا من متعة الصلاة الجماعية، وكأن الفيروس موجه صوب المسلمين فقط، وكأن قرار منع صلاة العيد هو قرار بنشر الكفر وبث الإلحاد ونثر الرذيلة. بعض من التعقل مطلوب فى التعامل مع فيروس ضرب الكوكب ولم يضرب فئة دون أخرى.

تعقل من نوع آخر مطلوب فى التعامل مع عودة الحياة الطبيعية «الجديدة». فليس من المنطقى أن يتم تعيين عسكرى وراء كل مواطن ليتأكد من أنه يرتدى كمامة فى المواصلات العامة، ثم تخصيص عسكرى آخر ليتأكد من أن الكمامة لا يتم دفعها أسفل الأنف لتتيح التنفس بشكل أفضل، وفى مرحلة ثالثة نحتاج إلى عسكرى ثالث ليتأكد من أن المواطن لم يدفع الكمامة أسفل الذقن لتتيح السعال والعطس وأحياناً البصق على الأرض. ولا ننسى دور العسكرى الرابع ومهمته التأكد من أن المواطن لم يلقِ الكمامة المستعملة على الرصيف أو فى عرض الشارع. ولن نخوض هنا فى جدلية أن العساكر الأربعة المطلوب تخصيصهم لكل مواطن يحتاجون هم أنفسهم لمن يراقب تنفيذهم قواعد الحماية.

وهنا أستعير من منشور منظمة الصحة العالمية الخاص بعيد الأضحى المبارك واحترازاته المطلوبة ما ذكرته فى شأن «إشراك المجتمع المحلى». فحين يتم فرض قانون أو إجراءات على مواطنين لم تتم توعيتهم بمعنى القانون والغاية من الإجراء وأهميته، فإنه يضرب به عرض الحائط فى أول فرصة. (نظرة سريعة على قواعد السير والمرور فى مصر التى تم وأدها ودفنها كفيلة بشرح الفكرة) وتصف المنظمة إشراك المجتمع المحلى فى هذا الشأن بـ«الضرورة» لتوضيح الدوافع وراء اتخاذ التدابير الاحترازية فى شأن «كوفيد-19». وسأضيف من عندى ضم الجهات والأفراد المطلوب منها التأكد من تنفيذ هذه الإجراءات والتدابير لعملية التوعية والمشاركة والفهم، إذ ليس من المنطقى أن يقوم أمين شرطة بتوقيف ميكروباص محمل بركاب وسائق لا يرتدى أغلبهم كمامات لكنه حين يركب الميكروباص لا يرتدى كمامة.

عيد أضحى سعيد وآمن وخالٍ من الفيروس والأنانية والهسهس، ومعبأ بالوعى والفهم والمسئولية الاجتماعية للجميع.

نقلا عن الوطن المصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق